المحكمة ذات الطابع الدولي ( المثيرة للجدل )
في فبراير الماضي الحكم الصادر عن محكمه الجنايات الدوليـة الذي أنكر مسؤولية حكومـة صربـيا والجبل الأسود في جرائم الإبادة الجماعيـة التي ارتكبـت في البوسنة في الفتـرة مابين ( 1992 – 1995 ) وأدت إلى القضاء علي أكثر من 200 ألف ضحية من المسلمين البوسنيين الأبرياء أثار ذلك الحكم رغبة بعض المهتمين في معرفة طبيعة محكمة الجنايات الدولية التي أصدرت ذلك الحكم الجائـر في حق البوسنيين ، ومعرفـة مكانتها في النظام القضائي الدولي القائم ، وتعدد هيئاته القضائية ومنها المحكمة ذات الطابع الدولي موضوع الخلافات الحالية في لبنان .
ربما ذلك ما دفع أحد المهتمين إلى طرح السؤال التالي :
ما هي أوجه الاختلاف بين المحكمة ذات الطابع الدولي المثيرة للجدل الحالي في لبنان .. والمحاكم الدولية الأخرى ؟ وأين موقع هذه المحكمة من هيكلية نظام القضاء الدولي الحالي ؟
بالنسبة للشق الأول من السؤال .. نعلم أن المحكمة ذات الطابع الدولي المقصودة هي التي أنشأت بقرار من مجلس الأمن رقم 1757 في ( 30 / 5 / 2007 ) للتحقيق في جريمة اغتيال الحريري رئيس وزراء لبنان السابق ، وقد صدر القـرار بموافقة 10 دول و امتناع كل من روسيـا والصيـن و ماليزيـا وجنوب أفريقيـا و قطـر ، ومع ذلك دخلـت المحكمـة حيز التنفيـذ ابتـداء من 30 / 6 / 2007 تحت البنـد السابـع من الميثاق .
وقد سبق للحكومة اللبنانية أن وافقت في جلسة استثنائية ( 25 / 11 / 2006 ) علي مشروع المحكمـة ، ويبدو أن الموافقة تمت دون الرجوع دستوريا إلى البرلمان أو انتظار ما قد تسفر عنه محادثات المائدة المستديرة للتوافق علي حكومة وحدة وطنية وقد اعترض رئيس الجمهورية علي المشروع ببطلان قرار الحكومة التي يراها غير شرعية ، وأبلغ اعتراضه إلى مجلـس الأمـن في حينه .
وهكذا دخلت لبنان في أزمة دستورية يتجاذب أطرافها القوي الوطنية ( المقاومة الوطنية – التيار الديمقراطي – تيار المستقبل – 14 آذار – الحزب التقدمي الاشتراكي .. الخ ) . وهو شأن داخلي بلبنـان الشقيـق .
أما فيما يخص وصف المحكمة بذات الطابع الدولي أعتقد أنهم يقصدون بذلك محكمة خاصة مؤقتة أنشأت بقرار دولي بناء علي طلب من الحكومة اللبنانية للنظر في جريمة إرهابية محدده ومعقدة تتداخل فيها الاتهامات لأطراف دولية مختلفة يختار مجلس الأمن قضاتها ويحدد مكان انعقادها وقد وافقت هولندا علي استضافتها بشرط عدم تحمل النفقات وعدم احتجاز من يحكم عليهم .
بينما المحكمـة الجنائية الدوليـة الدائمة في لاهاي تختص بالنظر في الجرائم الدوليـة الخاصة بجرائم الحـروب و الجرائم ضد الإنسانيـة ، المحالة إليها من مجلس الأمن ، والمنصوص عليها في الاتفاقيات الدوليـة التاليـة :
1.اتفاقيات جنيف لعام 1949 لحماية المدنيين من أثار الحرب .
ومعاملـة الأسـري و الجرحى في الحـروب بما يحفظ كرامتهـم ، وحقهم في معاملـة إنسانية كاملة .
2. اتفاقية تحريم إبادة الجنس البشري (GENOCIDE ) .
التي تعتبـر جريمة إبادة الجنـس البشـري جريمـة دوليـة في نظر القانون الدولي ، وتلزم الدول بمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم أو من يشترك أو يحرض عليها .
3. اتفاقية مكافحة التمييز العنصري لعام 1969
المتمثل في السياسات التي تمارسها بعض الحكومات في معاملة سكان البلاد تحت سلطانها ، وتلزم الدول بإنهاء جميع أشكال التمييز العنصري .
4. اتفاقية الحقوق السياسية لعام 1976
تحـرم التعذيـب والعقوبة المنافية لكرامة الإنسـان .
هذه الاتفاقيات وغيرها حددت بعض أحكام القانون الجنائي الدولي ، وألزمت الدول بمعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية .
بالنسبة للشق الأخير من السؤال حول وضع المحكمة المذكورة في نظام القضاء الجنائي الدولي .. من المعلوم أن تـأسيس القضاء الدولي مّر بمرحلـة طويلـة حتى وصل إلى أقـامه محكمـة الجنايات الدوليـة الحاليـة .
ونستعرض باختصار صور هيئاته المتعددة علي النحو التـالي :
1. محكمـة العـدل الدوليـة :
تأسست عام 1945 ، بديلا عن المحكمة الدائـمة للعدل الدولي السابقـة عـام 1919 ، وألحق نظامها الأساسي بميـثاق الأمم المتحـدة ، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المنظمة الدولية ، وتختص بالنظر في المنازعات القانونية والسياسية بين الدول فقط ، وان ولايتها القضائية في الأصل اختيارية ، أي تتطلب اتفاق الدول المتنازعة علي اختصاصها قبل عرض الخلاف عليها .
ولكن ولايتها إلزامية بالنسبة لجميع الدول الأعضاء في المنظمة الدوليـة أو التي تنضم إلى نظامها الأساسي ، ولها أيضا اختصاص إصدار الفتاوى للمنظمات الدولية .
2. المحاكم الدولية الخاصة :
بعد المذابـح البشعـة التي ارتكبت في روانـدا ( كيجالي ) عـام 1994 وبورونـدي ( بوجنبرا ) عـام 1996 بسبب الصراع بين قبائل التوتسي والهوتو ، والتي أدت إلى مقتل أكثر من600 ألف أفريقي ، غصت بحيرات فكتوريا وتنجانيقا بالجثث المتحللة ، أضطر مجلس الأمن إلى إصدار قرار بتشكيل محكمة دولية تختص بملاحقة المسؤولين عن تلك المذابح ضد الإنسانية ، تأسـست تلك المحكمـة في ( أروشـا ) بتـنزانيا ، ولكنها كانت تفتقر إلى الوسائل الضرورية لتأدية مهمتها فلم تستطيع القيام بمسؤولياتها.
3. محكمة الجنايات الدولية :
فشل المحكمة الدولية الخاصة بملاحقة مجرمي مذابح رواندي وبوروندي ، ومذابح البوسنة ، ساعد علي موافقة الدول علي مشروع اتفاقية إنشاء محكمة الجنايات الدولية عام 1996 بملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيـة أينما كانوا ومهما كانت مسؤولياتهم ومناصبهم وافـقت عليها أغلب الدول باستـثناء الحكومـة الأمريكيـة والإسرائيليـة ، لم توقعاها إلا عـام 2001 ، خشيـة ملاحقـة مسئوليها عن جرائمهم في أمريكا اللاتينية وفي فلسطيـن المحتلـة .
أذن محكمة الجنايات الدولية القائمة تختص بملاحقة المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، التي يحيلهم إليها مجلس الأمن .
4. المحاكم ذات الطابع الدولي :
هي محاكـم تشكل باتفـاق الدول المتنازعـة عند تعارض اختصاص قضائها الوطني ، وأما بقرار من مجلس الأمن ، وهي تـنظر في قضايا جرائم إرهابية لا علاقة لها بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانيـة .
يستعان بالمجتمع الدولي أما في تحديد مكان المحكمة أو تطبيق القانون المناسب أو مشاركة قضاة دوليين ، ومـن أمثـلة ذلك :
·محكمـة لاهاي التي نظرت في قضيـة لوكاربي .
·المحكمة التي تطالب بها الحكومة اللبنانيـة للنظر في قضيـة اغتيال الحريري .
5. اختصاص المحاكم الوطنية في نظر الجرائم الدولية :
قبل تأسيس محكمـة الجنايات الدوليـة خولت الاتفاقيات الدولية حكومات أعضـاء المنظمة الدولية إصدار تشريعـات تجيز لمحاكمها النظر في الجرائـم الدوليـة المذكورة ، وقد أصدرت الحكومة البلجيكية تشريعات تحول محاكمها الوطنيـة بالاختصاص الدولـي .
وهو ما شجع المناضلة الفلسطينـية ( سعاد سامر ) عام 2001 علي رفع قضيـة علي الإرهابي شارون أمام محكمـة بروكسل لملاحقته علي جرائمه ضد الإنسانية في مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 .
بالفعل عقدت المحكمة عدة جلسات ، ورفض الإرهابي شارون الحضور أمامها ، ولكن بعد ممارسة ضغوط أمريكية علي الحكومة البلجيكية أصدرت تشريعا أخرا يقضي بتحديـد اختصاص محاكمها في الجرائـم المذكـورة التي ترتكـب علي أراضيها أومن قبل مواطنيها فقط وبذلك أغلقت قضية ملاحقة الإرهابي شارون .
أذن فاعلية القضاء الدولي تتوقف علي مصداقية أعضاء مجلس الأمن ، وقدرته علي تنفيذ أحكام القضاء الدولي دون مساعدتها ، والحكم الصادر في إزالة الجدار العنصري الإسرائيلي المقام حول الضفة في فلسطين خير دليل علي عدم التزام الدول الكبرى بأحكام القضاء الدولي التي تتعارض مع مصالحها ، وعجز المجتمع الدولي علي إلزامها بذلك .
ليت الدول المسيطرة علي قرارات مجلس الأمن تدرك أن مضمون العدالة الدولية لا يتجزأ ولا يختزل في شخص بمفرده مهما كانت مكانته في بلاده .. وأن الضغوطات التي تمارسها علي إرادة المجلس و إصرارها علي إقامة المحكمة ذات الطابع الدولي جرد مجلس الأمن من مصداقيته ، فلم تعد قراراته المنتقاة مقنعة لأحد ، خاصة وان المجلس مغيب عن أدانه مذابح الإبادة الجماعية التي يقترفها الاحتلال الصهيوني في فلسطين وفي عدوانه علي لبنان وفي غزو القوات الأمريكية للعـراق وأفغانستـان وفي الصومـال وفي كثير من الأقطار الأخرى .
كيف يمكن أن يكون قرار مجلس الأمن مقنعا من قضية اغتيال شخص بمفردة ، بينما تجاهل المجلس قضية تسميم الزعيم الراحل ياسر عرفات أو اغتيال القوات الصهيونية للمرشد الروحي المقعد الشيخ أحمد ياسين ، ثم أين مجلس الأمن من القبض علي الإرهابي الصربي ( كاردتش ) ومساعده ( ميلادتش ) اللذان تسببا في قتل أكثر من 250 ألف مسلم بوسني وشردوا أضعاف هذا العدد ، ولا يزالان حتى هذه اللحظة طليقين يمرحان في ربوع صربيا وغير ذلك من الجرائم الإرهابية البشعة المتعددة .
لاشك إن الإصرار علي المحكمة ذات الطابع الدولي المذكورة يستهدف الوجود السوري ، ونزع سلاح المقاومة الوطنية اللبنانية ، وتصفيه المخيمات الفلسطينية ، كما هو مذكور بوضوح في قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي يعتبر مقدمة لمشروع شرق أوسط جديد ، ولان الحرص علي تطبيق العدالة الدولية في غير مكانها لا يعني تجاوز اختصاصات القضـاء الوطني المظهر الحقيقي لسيـادة أي دولـة والذي لا يجوز تجاهله أو التنـازل عن اختصاصاته إلا وفق إجراءات دستورية معقـدة .




أضف تعليقك